حداثة و ديمقراطية

الدعاية السياسية تتحكم بالعالم

يثير حجم التضليل الذي تمارسه أدوات الدعاية السياسية المعاصرة الشك حول كل ما تعلمناها من قيم ومعايير ومنظومات أخلاقية حتى في إطارها الرمزي، ذلك التضليل المتمثل في الفجوة الكبيرة بين قناعات الرأي العام والجماهير في العالم، وبين الحقيقة حول جذور ما يحدث في الشرق الأوسط وفي الأساس جذر الاحتلال في كل من فلسطين والعراق؛ تعلمنا التجربة كيف تسترخي السياسة ليدار العالم بأدوات الدعاية، وكيف يمارس الموت والقتل الجماعي لان الدعاية السياسية تقتضي تدوير الأحداث أو خلقها.

لقد ساد الاعتقاد في فترات مبكرة من القرن العشرين بأن لوسائل الإعلام الدور الحاسم في التأثير بالجماهير وصانعي السياسات، إذ تزامن ظهور أنظمة شمولية في أوروبا تعتمد الدعاية الأحادية مع ظهور نظرية الحقنة الإعلامية، ولم وتستمر تلك النظرية طويلاً، فبعد الحرب العالمية الثانية سيطر اتجاه علمي يؤكد ان وسائل الإعلام تقوم بوظيفتها من خلال عوامل ومؤثرات وسيطة عديدة ومتشابكة وفي معظم الحالات تعمل على تعزيز الظروف القائمة ولا تخلق ظروفا جديدة بمعنى محدودية تأثير وسائل الإعلام في السياسة، فيما بعد الستينيات والسبعينيات وبعد تطور دور شبكات التلفزة عادت مقولـة التأثير القوي لوسائل الإعلام في السياسية الخارجية تحديداً، وتعمق هذا الأمر بعد ازدياد الاهتمام ببحوث نظرية (وضع الاجندة) مع بداية الثمانينيات من القرن الماضي والتي تدور حول دور وسائل الاتصال في وضع وترتيب أولويات صانعي السياسية والجمهور.

كان الجدل الدائر هل تصنع وسائل الإعلام جدول أولويات السياسية وتحديداً (الخارجية) أم ان السياسية، هي التي تصنع جدول أعمال وسائل الإعلام، ولقد حسم هذا الجدل علمياً بأن وسائل الإعلام لا تصنع جدول أعمال السياسية، إلا ان هذه الوسائل ليست مجرد ناقل سلبي للمعلومات، فالأحداث والخبرات خلال العقدين الماضيين أثبتت أن هذه الوسائل وفي الأنظمة الديمقراطية العتيدة كثيراً ما تكون أداة من أدوات السياسية الخارجية وأداة صريحة لبلورة جدول تلك السياسية وتسويغه أمام الجمهور المستهدف، أما مقولة أن الأحداث هي التي تصنع جدول أعمال الأخبار، فستبقى مجرد مقولة نظرية، مادام هناك من يتلاعب في خيوط الأحداث وحروف الأخبار معاً.

لقد أكدت دراسات وبحوث البرنامج العلمي لمعهد السياسية الخارجية في جامعة (جونز هوبكنز) الأميركية والذي استمر ثلاث سنوات، وقدم ثلاثين دراسة حول علاقة وسائل الإعلام بالسياسية الخارجية الأميركية، بأن الإدارة الفدرالية والإدارات الحكومية، تسيطر على جدول أعمال الأخبار فهي تقرر متى يصبح شيء ما خبرا ومتى يتم تصعيده إلى الصفحات الأولى وإلى العناوين الرئيسية وإلى مقدمات نشرات الأخبار، والى متى تبقى القصة دائرة في فلك الإخبار ومتى يجب ان تتوقف أو تقتل وكيف تصنع الأخبار من اجل تحريك الأحداث أو افتعالها. وكيف تتم عمليات إعادة تصنيف الأخبار وتقويمها واستخدام تكنيكيات الإثارة والتكرار والغموض في القصص الإخبارية المرتبطة بجدول اولويات الإدارة.

الصحافة الأميركية ومحطات التلفزة العملاقة التي تشاهد في كافة أنحاء العالم بقدراتها التكنولوجية، بمراسليها الذين عادة ما يستشهد بأخبارهم وكفاءاتهم تشكل نظام اتصال جماهيري كاملا ومستقلا ورمزا للحضارة المعاصرة في لحظتها الأميركية. في الجانب الأخر ثمة نظام اختراق كامل لهذا النظام الاتصالي، إحدى صوره استثماره المباشر في السياسية الخارجية، وبالعودة إلى موضوع الابتزاز السياسي الدولي، فثمة سيناريو يطبخ في الغرف الخلفية في هذا الوقت على شكل قصص إخبارية متعددة سوف تلتقي لتشكل هجمة ابتزازية جديدة.

وبالعودة لأجندة الأخبار مقابل أجندة الأحداث الممتدة من غزة الى بغداد، نجد ان ثمة حاجة علمية لإعادة مراجعة ما تعلمناه وما نُعلمه لطلابنا من نظريات وتجارب حول السياسة والإعلام والدعاية.

لباسم الطويسي

الغد- موقع الحداثة و الديمقراطية

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى
Translate