حداثة و ديمقراطية

الحداثة وخطابها السياسي

محمود شريح

لمرة الأولى تصدر فلسفة يورغن هابرماس (1929- )  بالعربية مباشرة عن الألمانية في سبع مقالات ترجمها د. جورج تامر، المُحاضِر في جامعة إرلنغن–نورنبرغ، وتمَّ اختيارها بالتعاون مع هابرماس نفسه الذي أشفع المقالات السبع بمقدمة خصَّ بها الطبعة العربية، أعلن فيها بحكمة وفطنة أن النزاع الإسرائيلي–الفلسطيني إنما نشأ، إلى حد ما، في أوروبا . وتندرج هذه المقالات الفلسفية والاجتماعية التي راجعها جورج كتورة خير مراجعة، في رويَّة وفطنة وجلاء، تحت خانتين أساسيتين: الحداثة والسياسة، تتقاطعان عند نصٍّ يجمعهما، أي الخطاب مشتبكهما. ومن هنا عنوانها مجتمعة الحداثة وخطابها السياسي، في قسمين: أولهما يلمُّ بمفاهيم ذات صلة وثيقة بالحداثة، وثانيهما يأخذ الخطاب السياسي للحداثة، في 236 صفحة من القطع الوسط، مع هوامش ثرية، ونبذة عن المؤلف، وأخرى عن المعرِّب، وكشَّاف مصطلحات أبجدي بالعربية وما يقابلها بالألمانية.

سرد هابرماس قصة تطور مفهوم الحداثة عبر تاريخ الفكر، ويجد أن فكرة الحداثة الجمالية تتخذ شكلاً أوضح مع بودلير، ولا سيما في نظريته عن الفن التي استمدها من إ. أ. بو، ثم طوَّرها متأثراً به. وإذا كانت فكرة الحداثة تلازمت وتطوُّرَ الفن الأوروبي فقد نشأ فجأة، في أواسط القرن التاسع عشر، فهمٌ جمالي للفن، أي الفن للفن، هو ما دعا إليه كانط في تحليله لمَلَكة الذوق، رغم إبرازه أهمية العنصر الذاتي ولعبة المخيِّلة الحرة. ولا يخفى أن الذوق والحكم، في عُرف كانط، مترادفان ويعنيان، في المحصِّلة النهائية، الإسثيتيك Ästhetik، أو علم الجمال؛ وهو حقل نهض به هيغل وارِث كانط، وشذَّبه عددٌ غفير من فلاسفة الألمان، من شيلِّر إلى أدُرنو وبنيامين ومركوزي. هنا ينبِّه هابرماس إلى أهمية الإفادة من المتاهات التي رافقت مشروع الحداثة، بدلاً من إعلان إفلاسه، فيميِّز بين ثلاثة مذاهب محافظة، هي:

1.    ضدِّية–الحداثية، أو ما يجمع بين باتاي وفوكو ودريدا الذين يحوِّم فوق باريسهم شبحُ نيتشه.

2.    ما–قبل–الحداثية، أو جماعة تداعي العقل الأساسي والفصل بين العلم والأخلاق والفن، أي منطلق ليو شتراوس.

3.    ما–بعد–الحداثية، أو المذهب الناصِح بتحرير السياسي من الخلقي والنازِع عن الفن مضمونَه الطوباوي؛ وهذا مذهب شرَّعه أولاً فتغنشتاين. ولا يبقى من الحداثة الثقافية إلا ما تحويه بعد الاستغناء عن مشروع الحداثة، متى انحصر العلم والأخلاق والفن في حقول مستقلة ومنفصلة عن عالم الحياة.

على هذا القدر من الوضوح يحدِّد هابرماس خريطة مفاهيم الحداثة في محاضرة له ألقاها في 11/9/1980 في كنيسة القديس بولس الأثرية (لمناسبة منحه جائزة أدُرنو التي خصَّته بها مدينة فرنكفورت). وفي مقدمته لكتاب ألَّفه فارياس التي تتناول هايدغر ورؤيتَه يدعو هابرماس إلى الفصل بين تصرُّف هايدغر السياسي وقيمته الفلسفية، فيرى أن أثره المهم الكينونة والزمن مفصل أساسي في تاريخ الفلسفة الألمانية في القرن العشرين؛ إذ ترك أثراً واضحاً على نظريات سارتر ومرلو–بونتي وغادامر ودريدا. ورغم أن هابرماس يقدِّم لكتاب فارياس، إلا أن جرأته تأبى عليه إلا أن يناقض المؤلِّف، فيرى أنها سيرة سياسية “في معناها الضيق”؛ إذ يقابل فارياس، بما يداني السذاجة، اقتباسات من هايدغر واقتباسات من هتلر .

ثم يدعو هابرماس، لدى قياسه نبض القرن الآفل، إلى مراعاة استقلالية الدول إثر تفتُّت الاتحاد السوفييتي. فالحاجة ماسة إلى نُخَب سياسية قادرة على تخطِّي مصالح الأنانيين العقليين في اتجاه قيام مجتمع مدني، يتعدى حدود الدول. هذا لناحية وضع مفاهيم للحداثة.

أما لناحية خطاب الحداثة السياسية، فيرى هابرماس أن المقولات الطوباوية لتأسيس مجتمع مغاير (كما في دعوات ماركس وإنغلز وحتى فيبر) استهلكَتْ مضمونها، لكنه لا يتخلَّى نهائياً عن البعد الطوباوي الكامن في جدلية الوعي التاريخي.

ثم يتنبَّه هابرماس، لدى دراسته مستقبل الديموقراطية ما بعد القومية، إلى أن ديموقراطية الجماهير الغربية في دولة الرخاء تقف أمام منعطف لا يدعو إلى التفاؤل؛ ذلك أن العولمة، في إضعافها الدولة القومية، تُخضِع السياستين الخارجية والداخلية لمعايير طارئة ومتبدِّلة، مما يؤدي، لدى تصادم الأنماط الحضارية، إلى تصلُّب الهوية القومية. يدعو هابرماس، في المقابل، إلى الانفتاح السياسي في ظل مجتمعات منظَّمة اقتصادياً، ويحذِّر من الحماسة الوطنية المغالية للرخاء؛ إذ يرى أن الوجهة الأخلاقية تحتِّم الأخذ بمتطلبات عيش حرٍّ لائق بالإنسان، مهما يكن أصله، وليس فقط على أنه مهاجر أو لاجئ سياسي. وهو في ذلك يفيد من مقولة المواطَنة الديموقراطية، أي المعيار الخلقي الكانطي الذي سرى في الفكر الغربي لاحقاً، من ماركس إلى رولز.

خطاب هابرماس في الحداثة وخطابها السياسي حداثة السياسة في مفهومها المتحدِّر من المثالية الألمانية، أخذاً بمئتي عام من التحول الحاصل فعلاً في بنية الحداثة الطارئة على فكر أوروبا برمَّته منذ وقوع الثورة الفرنسية، أي فعل الحداثة الذي تسرَّب إلى قشرة الكرة الأرضية، فأحدث فيها شروخاً على هيئة الفكر، من بيت الشعر إلى القرية الكونية. فلا عجب أن يخلص هابرماس إلى أن شرعة حقوق الإنسان هي المعيار الخلقي الأمثل في حيِّز الممارسة.

خطاب هابرماس هذا يحتاج إلى دراسة متأنِّية وسط الصراع الحاصل بين الحضارات، نظراً إلى الفائدة الجُلَّى التي يوصِل إليها هذا الخطاب. وإذا كان هابرماس قد ذيَّل مقدمته للطبعة العربية من مقالاته بتاريخ 12 تموز 2001 فإن هناك من يمنح هذه المقالات بُعداً استشرافياً؛ إذ يحذِّر من مغبة كارثة في العلاقات الدولية ما لم يبقَ العنصر الطوباوي للجدلية السياسية التاريخية قائماً في ثنايا خطاب الحداثة. أما الحداثة التي لا تنهض على أسٍّ حضاري–أخلاقي فلا طائل تحتها.

عبارة ترجمة خطاب هابرماس إلى العربية رشيقة وموحية وجزلة في آن واحد. تمكَّن د. جورج تامر من وضع نصِّ أهم ممثلي الرعيل الثاني من مدرسة فرنكفورت الفلسفية في إطار مُشرق، ذي أسلوب واضح وتعابير دقيقة، مما يومئ إلى فهمه العميق لظلال المفردة الألمانية وإيحاءاتها. وعليه، فجهدُه المشكور رافدٌ في تيار الحداثة العربية الأوسع.

معابر-موقع الحداثو و الديمقراطية

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى
Translate