اصلاح ديني

الاصلاحي المستنير محمد شحرور

السيرة الذاتية

ولد محمد ديب شحرور في مدينة دمشق عام 1938، حيث درس في مدارسها الابتدائية والإعدادية والثانوية، ليسافر إلى الاتحاد السوفياتي ببعثة دراسية لدراسة الهندسة المدنية في موسكو عام 1959، ويتخرج بدرجة دبلوم في الهندسة المدنية عام 1964.

عيّن شحرور بعد عودته من موسكو معيداً في كلية الهندسة المدنية – جامعة دمشق عام 1965 حتى عام 1968، قبل أن يتم إيفاده إلى جامعة دبلن بإيرلندا عام 1968 للحصول على شهادتي الماجستير عام 1969، والدكتوراه عام 1972 في الهندسة المدنية – اختصاص ميكانيك تربة وأساسات.

وعيّن مجدداً بعد عودته من دبلن، مدرساً في كلية الهندسة المدنية – جامعة دمشق عام 1972 لمادة ميكانيك التربة، ثم أستاذا مساعداً.

وبدا أن حياة شحرور ستبقى في مداري العائلة والعمل، حيث تزوج وأنجب أربعة أولاد ذكور وبنتًا واحدة، وعمل في التدريس الجامعي بجانب افتتاحه مكتبًا هندسيًا استشاريًا لممارسة المهنة كاستشاري منذ عام 1973، وظل يمارس الدراسات والاستشارات الهندسية في مكتبه الخاص في حقل ميكانيك التربة والأساسات والهندسة.

كما قدم الباحث الراحل وشارك في استشارات فنية لكثير من المنشآت في سوريا، وله عدة كتب في مجال اختصاصه تؤخذ كمراجع هامة لميكانيك التربة والأساسات.

المحطة الجدلية في حياته

تروي السيرة الذاتية المنشورة في موقع الدكتور شحرور، كيف بدأ اهتمامه أول مرة بالفكر الإسلامي، ودراسة القرآن الكريم بعد حرب العام 1967 مع إسرائيل، وكان يومها في دبلن يعد لشهادة الدكتوراه.

واستمر شحرور في دراسته الشخصية تلك بعيدًا عن الأضواء طوال عشرين عاماً تقريباً، إذ بدأ بشكل فعلي في العام 1970 قبل أن يصدر في العام 1990 من دمشق، أولى إصداراته التي حملت عنوان ”الكتاب والقرآن – قراءة معاصرة“ وجاءت في 822 صفحة.

وكان الإصدار الأول عبارة عن جزء من سلسلة ”دراسات إسلامية معاصرة“ للباحث شحرور، وهي ”الدولة والمجتمع“ الصادر عام 1994، و“الإسلام والإيمان – منظومة القيم“ الصادر عام 1996، و“نحو أصول جديدة للفقه الإسلامي – فقه المرأة (الوصية – الإرث – القوامة – التعددية – اللباس)“ الصادر عام 2000، و ”تجفيف منابع الإرهاب“ عام 2008.

في العام 2010، عاد شحرور لإصدار كتب جديدة من بيروت، حيث صدر له في ذلك العام كتاب ”القصص القرآني – المجلد الأول: مدخل إلى القصص وقصة آدم“، ليتبعه في العام 2011 كتاب ”الكتاب والقرآن – رؤية جديدة“، وكتاب ”القصص القرآني – المجلد الثاني: من نوح إلى يوسف) الصادر عام 2012، وكتاب ”السنة الرسولية والسنة النبوية – رؤية جديدة“ الصادر عام 2012.

كما صدر له من العاصمة اللبنانية في العام 2014 كتاب ”الدين والسلطة – قراءة معاصرة للحاكمية“، وكتاب ”الإسلام والإيمان – منظومة القيم“ الصادر عام 2014، وكتاب ”فقه المرأة – نحو أصول جديدة للفقه الإسلامي) الصادر عام 2015، وكتاب ”أمُّ الكتاب وتفصيلها: قراءة معاصرة في الحاكمية الإنسانية – تهافت الفقهاء والمعصومين“ الصادر عام 2015.

وللراحل أيضاً كتاب باللغة الإنجليزية يحمل عنوان ”القرآن والأخلاق والعقل الناقد“ الصادر عن دار بريل في هولندا، تحت عنوان باللغة الإنجليزية “ The Qur’an, Morality and Critical Reason – The Essential Muhammad Shahrur“.

ظهوره الجدلي

أثار شحرور منذ أولى إصداراته جدلاً بين فريقين، يتمسك الأول بالتفسيرات والآراء التي تتبناها المذاهب الفقهية الإسلامية المعروفة التي لا يتفق شحرور مع كثير مما ورد في نصوصها، وفريق يبدي قبولاً لمناقشة أفكاره والاتفاق أو الاختلاف حول ما يطرحه طالما أنه في حدود الفكر وليس الإفتاء.

لكن الجدل حول شخصية شحرور وآرائه زاد بشكل لافت وتجاوز النخب الثقافية والدينية منذ أن بدأ المفكر السوري في الظهور في الصحافة والتلفزيون قبل أن يصبح الوصول لآرائه وكتبه ومقابلاته التلفزيونية متاحًا عبر شبكة الإنترنت ومواقع التواصل الاجتماعي لكل قارئ ومستمع للعربية.

ولم تغب الصحافة الغربية عن الاهتمام بآراء شحرور، وأجرت معه كبريات وسائل الإعلام الأمريكية والأوروبية مقابلات عديدة لتسليط الضوء على فكره الجديد، وبينها صحيفة ”نيويورك تايمز“ الأمريكية، مجلة ”ديرشبيغل“ الألمانية.

كما تخطى حضوره عالم الصحافة والإنترنت، حيث دعي إلى بلدان عربية وأوروبية وأمريكية من قبل هيئات حكومية ومدنية وجامعات منذ العام 1993 بصفة باحث ومفكر إسلامي، ونشر هناك أبحاثه في الشريعة الإسلامية في الدوريات والنشرات الصادرة عن تلك الهيئات.

فقد دُعي شحرور إلى مجلس العلاقات الخارجية الأمريكية في نيويورك، وجامعة هارفارد، وجامعة بوسطن، وجامعة دورتماوث، ومؤتمر ”ميسا“ في شيكاغو 1998، وجامعة برلين 2001، والمجلس الإسماعيلي في لندن 2002، ومؤسسة ”روكفلر“ في بيلاجيو بإيطاليا، ونادي العروبة وجمعية التجديد والجمعية النسائية في البحرين، ومركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية، ومجلة مقدمات في المغرب وغيرها الكثير.

شكل اسم المهندس المدني السوري، عنواناً للجدل بمجرد حضوره في وسائل الإعلام، أو الاستشهاد بآرائه في نقاشات دينية، أو حتى اقتناء كتاب له، ولا يبدو أن ذلك الجدل سيتوقف برحيله بعد كل تلك السيرة الحافلة التي لمع فيها كواحد من أبرز المفكرين الإسلاميين في العصر الحديث.

أطروحاته

تعتبر أطروحات المفكر الإسلامي محمد شحرور مراجعة نقدية واسعة لنصوص الإسلام التأسيسية ومحاولة شاملة للتوفيق بين قيم الدين الإسلامي وبين فلسفة الحداثة المعاصرة والمنطق العقلاني للعلوم الطبيعية. محمد شحرور يرى أن توظيف الدين لخدمة أغراض سياسية يشكل اختزالاً لرسالته السماوية.

 “ضرورة الاصلاحات الدينية في العالم الإسلامي”

ذهب شحرور في السياق السياسي إلى أبعد من ذلك حيث دعا إلى نقد معمق لأصول الدين والثقافة الإسلامية، وأن يكون هذا النقد نابعا من منظور عصري لأن الإصلاحات السياسية في البلاد الإسلامية لن تتحقق إلا إذا كانت هناك إصلاحات دينية جوهرية. وفي هذا الإطار يؤكد المفكر السوري أن الإسلام في واقعه هو القوة الوحيدة المحركة في العالم العربي، وأن “الإرث الديني لا بد أن يخضع لقراءة وتفسير جديدين وبطريقة نقدية. وأن الإصلاحات الثقافية والدينية أهم من السياسية، لأنها شرط لأية إصلاحات مدنية أخرى”.

صدمة الوعي العربي كانت الدافع الأول وراء مشروعه

​​ وُلد محمد شحرور بدمشق في الحادي عشر من أبريل / نيسان عام 1938، وبعد حصوله على شهادة الثانوية العامة بدأ 1958 دراسة الهندسة المدنية في موسكو وأنهاها هناك بنجاح عام 1964. وقد أدت حرب الأيام الستة في يونيو/ حزيران 1967، التي لا يزال تأثيرها واضحا على الهيكلية السياسية للشرق الأوسط، أن يكمل دراسة الدكتوراة في العاصمة الايرلندية دبلن، على عكس ما كان مخططا في لندن، لأن الحرب كانت سببا في قطع العلاقات الدبلوماسية بين سوريا وانجلترا. كانت صدمة الوعي في العالم العربي أجمع بعد هزيمة العرب الساحقة في حرب الأيام الستة هي الباعث الرئيسي، الذي دفع شحرور أن يمعن تفكيره في حال الثقافة العربية وأن يبحث عن سبل الخلاص من الأزمة الاقتصادية وبالأحرى الأزمة الثقافية الأخلاقية.

“الكتاب والقرآن، قراءة معاصرة”

في مقدمة أهم مؤلفاته “الكتاب والقرآن، قراءة معاصرة” المنشور عام 1990 والذي احتاج شحرور – على حد قوله – إلى جهد ما يزيد على عشرين عاما لتأليفه، ركز شحرور على مسائل الخلاف الأساسية التقليدية في الإسلام، بدءا من انعدام الفهم العلمي للقرآن ومرورا ببذل الفقهاء جهدهم للوصول إلى تفسيرات وانتهاءا بالعجز عن بناء نظام معرفي مبني على أسس إسلامية. على كل الأحوال فقد تأكد له آنذاك أن الفهم السائد للإسلام يتعارض بوضوح مع المضمون الحقيقي للوحي الإلهي. وعلى الرغم من أن شحرور أشار ضمنيا أن كتابه الإصلاحي يتعلق في المقام الأول بـ”القراءة المعاصرة للنص القرآني” بهدف التوصل إلى “صياغة نظرية اسلامية للألوهية متوافقة مع البشر والعالم في نفس الوقت”، إلا أنه قوبل بالإهانات من الفقهاء المسلمين بسبب جهوده الإصلاحية. وكما هو متوقع طالب عدد ليس بالقليل من المحللين في الإعلام العربي بمحاكمته، لأنه “نال من شخص النبي”. وحتى الآن نُشر ما لا يقل عن 19 كتابا للرد على أفكاره المستفزة، ناهيك عن المقالات والندوات الإعلامية التي لا حصر لها.

كثيرا ما تنمو المعرفة على الهامش

كان نبوغ شحرور في علوم الطبيعة والرياضيات أهم الأسس التي ارتكز عليها في كتابه “القراءة المعاصرة للقرآن”، أضف إلى ذلك أنه استخدم النظريات العلمية الحديثة في بحثه، منها استنتاجه اللغوي أنه ليست هناك مترادفات في اللغة ولكن كل تعبير له دلالة خاصة. هكذا بدأ شحرور في تطبيق ذلك على سور القرآن وانتهى إلى وجود ما يبرر تغيير الفكر الإسلامي في مجال الشريعة، ولو بصورة جزئية. بهذه النظرية استطاع شحرور أن يحدد المعاني الدقيقة لمصطلحات الإسلام الهامة مثل “الكتاب” و”القرآن” التي فُهم من سياق الوحي أنهما مترادفان لبعضهما البعض. هذا الاستنتاج وهذه المقدمة المنطقية، التي تقول بشمولية القرآن جعلت شحرور يضع أساسا جذريا للقراءة المعاصرة للقرآن، وخاصة أن القرآن يفرق بين “النبوة” و”الرسالة”. فالنبوة تصف قوانين الطبيعة الإلهية وهي بذلك تعتبر حيادية ومطلقة، أما الرسالة فتشمل على نظم وقواعد معيارية لا تتعدى أن تكون مسألة شخصية للمرء أن يسير عليها أم لا. وفضلا عن ذلك هناك استنتاج قوي آخر يكمن في بحث شحرور للقرآن، ألا وهو أن النظرة المعاصرة تؤدي إلى فهم جديد لمفهوم “مسلم”، هذا المصطلح الذي يعتبر جوهريا في الإسلام. لقد استنتج شحرور من القرآن أن كلمة “مسلم” يُقصد بها كل إنسان يؤمن بالله وباليوم الآخر وذو سلوك حسن.

الكينونة والصيرورة في منظور محمد شحرور

​​ لقد أسس محمد شحرور فلسفة قوامها اللفظ القرآني، حيث يرى أن هناك مبدآن أساسيان، ألا وهما “الكينونة” و”الصيرورة”، الأولى إلهية بحتة، أما الثانية فبشرية ونسبية. والكينونة تتحقق بكلمة الله، التي أوحيت إلى الرسول محمد ودُوّنت في القرآن. كما أن كتاب الله يعرض “الكينونة في حد ذاتها”، في حين أن ما عدا ذلك يعتبر “صيرورة”. وعلى ذلك يعتبر فهم النص الالهي “صيرورة” مستمرة، لهذا فإن شحرور يتحدث عن “ثبات النص ومرونة المعنى” وعن الجدلية بين النص والمعنى. ويرى شحرور أن النص القرآني مكتمل وكاف في حد ذاته.

وعلاوة على ذلك فإنه يرى أن كل ما قِيل عن النص القرآني أو كُتب عنه، بما في ذلك أقوال النبي محمد، له دلالة تاريخية. لكن النص القرآني ليس تاريخي، وعلى المرء أن يفرق في الآيات القرآنية بين الأوامر والتشريع. وعندما يحتوي النص القرآني على أوامر ولا يحتوي على تشريع فمن الأفضل أن نتحدث عن “تاريخية النص”. القرآن وحده هو كلمة الله المطلقة إن وظيفة القرآن لا تختلف عند شحرور عن معناها التقليدي السائد بين فقهاء الإسلام. وبناء على ذلك فهو يرى أن القرآن “خاتم الرسالات” السماوية وهو آخر رسالة لديانات الوحي الثلاثة. والقرآن يحتوي على الحقيقة الالهية المطلقة، التي لا يمكن للبشر أن يفهموها إلا بصورة نسبية. لهذا فإن أي تفسير للقرآن لا يسري فقط إلا على تلك الحقبة الزمنية.

وطبقا لقراءته المعاصرة للقرآن فإن شحرور يرى أن السنّة النبوية لا تعتبر مصدرا أساسيا للتشريع الإسلامي، لأن الرسول محمد على الرغم من قربه الخاص من الله، إلا أنه كان بشرا عاديا قد تأثر بثقافة ومعرفة العرب في القرن السابع الميلادي. علاوة على ذلك يرى شحرور أن النبي أمر بكتابة القرآن ولم يأمر بكتابة السنّة. بهذه الطريقة وقع شحرور في صراع قوي مع التشريع الإسلامي، الذي يرى أن سنّة النبي والأحاديث المتواترة تشكل المصدر الثاني للتشريع. وطبقا لرأي شحرور فإن ثمة خلط هنا بين “الكينونة” و”الصيرورة”، لأن مؤسسي الفقه الإسلامي جعلوا الأحاديث، التي تروي سنّة النبي والتي جُمعت في العصر العباسي في القرن السابع الميلادي، إحدى أسس التشريع الإسلامي. وبدلا من تمحيص الأحاديث والتعامل معها بشكل نقدي اعتبروا عصر النبوّة وعصر الخلفاء الراشدين أفضل العصور، وبهذا جعلوها مصدرا من مصادر التشريع. وقد قدّر الله لهم أن ينهوا بهذا حرية الاختيار، لأنهم اعتقدوا أن كل المسائل الدينية والدنيوية وُجد حل لها عن طريق القياس خلال فترة حياة الرسول.

نظرية الحدود

من ناحية أخرى نالت الشريعة الإسلامية سيلا من نقد شحرور، وذلك لِما يأخذه على مصدرها الأساسي “وهو القرآن” من مآخذ. وهنا يُصرّ شحرور على أن كل ما ورد في القرآن لا بد وأن يُفهم في سياقه الزمني. وبناء على هذه النظرة وضع “نظرية الحدود” كحل عام للتعامل مع المعايير الالهية. كما لا يفهم شحرور مصطلح “الحدود” بالمعنى التقليدي، أي “أوامر” الله، بل يعتبره تحديدا للحدود الشرعية التي سنّها الله. وطبقا لآراء شحرور فإن الإسلام “لا يقر قوانين ولكن يضع حدودا تسمح للبشر بأكبر قدر من الحرية في التطبيق”، كما يرى أن جمود التشريع الإسلامي المعمول به يتناقض مع مرونة ودينامكية القرآن. وبناء على ذلك وضع الله لكل التصرفات البشرية المذكورة في القرآن حدا أعلى وحدا أدنى، في حين أن الحدود البسيطة هي الأدنى والحدود الكبيرة هي العليا لما تفرضه الشريعة في حالات معينة. ومن خلال ذلك تدرج العقوبة وتصبح الشريعة مرنة وقابلة للتكيف على متطلبات الحياة المعاصرة، وبهذا يمكن تحديد العقوبة الفعلية حسب منظور إنساني. وكمثال على “نظرية الحدود” نذكر هنا حد السرقة، فحسب فَهم شحرور للآية 58 من السورة الخامسة فإن قطع اليد يعتبر الحد الأقصى للعقوبة، لكن هذه العقوبة لا تعتبر الامكانية الوحيدة. وكما يرى شحرور فإن القضاة يمكنهم أن يعاقبوا الجانى باجباره على القيام بعمل تطوعي.

فصل الإسلام عن السياسة

​​ لقد استطاع شحرور من خلال “نظرية الحدود” أن يجعل الشريعة متلائمة مع التصورات العالمية للديمقراطية وحقوق الإنسان. ذلك لأن قانون العقوبات المتواجد بين الحد الأقصى والأدنى يقع في دائرة اختصاص البرلمان المنتخب ديمقراطيا. ويرى شحرور أن فهم الأوامر الإلهية على أنها حدود فتحت “مئات الألوف من الاحتمالات” أمام التشريع. أضف إلى ذلك أنه يطالب بفصل الإسلام كليا عن السياسة. وبهذا يكون المفكر التنويري شحرور قد اتخذ موقفا معارضا للإسلام السياسي، وهو يرى أن إصدار الأحكام باسم الدين فتيل نزاع لصالح تقديرات السلطة السياسية. ونظرا لرؤيته الشاملة يعتبر بحث شحرور للقرآن محاولة للتوفيق بين الدين الإسلامي والفلسفة العصرية وأيضا المفهوم الدنيوي للعلوم الطبيعية.

ومن الجدير بالذكر هنا – حسب الأدلة والبراهين التي أوردها – أن ضرورة النسبية التاريخية لفهم مصادر التشريع لا يمكن تفسيرها على أنها في المقام الأول من طبيعة الأشياء وإنما هي نابعة من الفكر الإسلامي. إن شحرور بصفته مفسّرا مثيرا للجدل يقدم بنقده الإسلامي المعمق برهانا على أن النقد اللاذع والمثمر غالبا ما يكون نابعا من داخل منظومة أو مؤسسة بعينها وليس من خارجها.

إحياء رسالة ابن رشد

حتى وإن كانت نظريات شحرور ومحاولاته لتقديم تفسير جديد للإحداثيات النظرية لهذه الديانة العالمية واسعة المطامح ولا تصل إلا إلى جمهور محدود غالبيته مثقفة وتميل إلى النخبوية، إلا أنها تساهم – في إحياء النقاش حول تجدي الخطاب الديني داخل الإسلام. وعندما سُئل الشيخ يوسف القرضاوي، الذي يعتبره الكثيرون “أول مفتي متعولم” والضيف الدائم لدى محطة الجزيرة الفضائية ذات النفوذ الكبير، عن أعمال شحرور ومدى أهميتها للعالم الإسلامي، أجاب خطيب الفضائيات الكبير باختصار وحزم قائلا: “إنها لَديانة جديدة”!. وعلى الرغم من أن شحرور يرفض السلطة الدينية في الإسلام بصرامة، لأنها من صنع البشر، إلا أنه ليس بالعقلاني المتطروف الذي يعي أن كل هروب من الواقعية إلى المتافيزيقا يعتبر كارثة ذات عواقب جسمية. وفي الواقع لا يرغب المفكر التجديدي شحرور بالفعل في ابتداع إسلام جديد، ولكن بالأحرى يرغب في إحياء رسالة الفيلسوف ابن رشد، التي تصلح لكل زمان، وخلاصتها القائلة بأن الإيمان والعقل لا يتناقضان وإنما يكمل بعضهما البعض.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى
Translate