ثقافة

في الحداثة الشعرية مرة أخرى

قيس مجيد المولى

من ضمن تحدي الأعراف السائدة في اللغة لدى المحدثين أنهم أهملوا القواعد النحوية، التي كانت تشكل ضمن القصيدة الكلاسيكية ركناً أساسياً في بناء الجملة الشعرية. إن أغفال البناء الشعري الجديد لهذه القواعد يعني في أقرب تفسير له أن رواد الحداثة كانوا جادين في تحطيم هيكلية البناء القديم التي تشكل سلطة القواعد أهم مرتكزاته الدلالية والصوتية، وهذا التحول أو بالأحرى هذا الهدم لا بد أن يصاحبه الكثير من المشكلات السوسيولوجية والفلسفية، وإذا ما أخذنا بنظر الاعتبار أن جمالية اللغة تكمن في استعمال نظام المفردة ضمن علاقاتها مع متوالياتها من المفردات في تشكيل النص الشعري، وهذا التحلل أو الانتقال أو الهدم يعني في أحد جوانبه كيفية مواجهة التراث والتعامل معه، وكذلك مستويات الانفعال في الحداثة الجديدة وكيف تكون بنية النص ضمن منحناها الجمالي والدلالي؟ من هنا أراد المحدثون أن تكون للمفردة فعلها المزدوج وتأثيرها المتعدد الأغراض، وبالتالي ستتخذ وسيلتها إلى الغموض والغموض سيولد إشكالية أخرى تتعلق بمدى استقبال المتلقي لما يَقرأ.
إن المقارنة التي قدمها أدونيس مثلت عين الصواب حين قارن بين جمالية الشعر القديم وجمالية الشعر الجديد، إذ أن مهمة الشعر القديم من الناحية الجمالية كانت إلى حد بعيد مهمة ترقيعية. أما الشعر الحديث فمهمته الاكتشاف والهدم والغور في المجهول، وهنا لابد أن تثار أسئلة كثيرة ومن ضمنها هل أن الشعر القديم خلا من البعد الجمالي؟ وهل أن الشعر القديم لم يوفق في تسخين القوى النفسية ولم تكن عذوبته العاطفية قادرة على تأجيج المشاعر والمكونات الروحية؟ وهل هذا يتعلق بطبيعة منتج ما لفترة معينة ما، أم هو القياس لما كان عليه الشعر القديم؟ ثم هل أن عملية الهدم لدى رواد الحداثة هدم لغة وخلق أخرى سمة توافقية بين كل المحدثين بغض النظر عن الاختلافات في ما بينهم بالتوجهات الفكرية والعقائدية والنظر إلى مفهوم الحداثة الغربية.
لقد أصبحت الجملة الشعرية تعتمد نمطا جديدا من التوزيع والهدف في ذلك خلخلة العبارة التقليدية وأزاحة ثوابتها عن أسس الاشتغال، مع تقليم العديد من الأدوات اللغوية التي أصبح ظهورها لا يطاق ضمن الاتجاهات الشعرية الجديدة، ومما يساعد على هذا التقليم هو الاتجاه نحو تشتيت الجملة الشعرية، وهذا التشتيت يؤدي لبعثرة المعنى لتلد معاني أخرى فيبدو النص الشعري أجزاء متباينة الاتصال ومتباينة المثابات والنهايات وتبدو وكأن لا جامع بينهما، فتفكيك الجملة الشعرية يعني إعادة توزيعها وإعادة التوزيع تعني التغير في شكلها البنائي والتغيير في شكلها البنائي يعني التعبير بغير مدلولاتها، أي لا صلة لها ببنائها التقليدي، الأمر الذي يتطلب المزيد من الاحتراس والمزيد من الانتباه للمغايرة.
وضمن ما ذكرنا فقد قدم عدد من النقاد آراءهم في ما يخص تلك الانتقالية كان عز الدين إسماعيل قد وضع يده على (الأصول الجمالية للنقد العربي) وخالدة سعيد (البحث عن الجذور) وكشف مارون عبود عن (رواد النهضة الحديثة) وعبد القادر القط عالج العديد من المفاهيم والأشكالات في (قضايا ومواقف) وقدم لويس عوض دراسته المطولة عن (المؤثرات الأجنبية في الأدب العربي الحديث) وأستفاض محمد مندور في (المنهجية في النقد العربي) وعبد الجبار داوود البصري في (الشعر العراقي الحديث) وسلمى الخضراء الجيوسي (الشعر العربي المعاصر تطوره ومستقبله). وفي الاتجاه نفسه عن الشعر العربي المعاصر أسهم شوقي ضيف، وعن الشعر في لبنان قدم هاشم ياغي دراسته التفصيلية وفعل آخرون فعلهم النقدي؟، وتوالت الدراسات من المشرق والمغرب لمعاينة ومحاكاة الجديد، واستنطاق أسباب ثورته والعودة للماضي وما الذي لم يسلط الضوء عليه.
كانت التجربة الجديدة بمواجهة الإنسان وخوفه وخنوعه ذلك الإنسان الذي لم يذق معنى الحرية فكيف يتلاءم مع وجوده. قبل تلك الرؤية العربية رأى رتشاردز بالتجربة الشعرية نوعا من التعبير النفسي، وهي ذات وحدة شعورية كاملة، والمهم في ذلك أن كل شيء يبنى في جمالية الأثر الفني بوجود أسس وقواعد لإعادة كشف المنتج، كذلك الحال في رؤية الحداثة الشعرية العربية في جانبها المهم الذي يتعلق بالإنسان العربي، فلا بد من وجود أسس وقواعد للتعامل والمنتج الجديد فقد شكلت القضايا العربية (القهر- الإخفاق- اليأس- القهر الاجتماعي- الذل السياسي- فقدان الحرية) الجانب الأكثر انطلاقا نحو التحديث للتعامل مع الأزمات التي سميت بالأزمات الشاملة، وهذه القضايا ومواجهتها لا تتطلب تغييرا في البنى الشعرية وفي شكل القصيدة ووظائفها وحسب، وإنما تصاحب ذلك بلورة مفاهيم ثقافية تنسجم مع دعوة الحداثيين للتمرد على الواقع، فقد أنتج الشعر الجديد حزنه وعبر عنه برؤية جديدة وجعلوه كظاهرة يطمئن الشاعر من خلالها لهذا العالم، عبر الذات اللامنتمية إلا لذاتها.
وقام معول الحداثة المقدس بهدم البناء اللغوي للغة الشعرية في القصيدة القديمة، وهو عمل جدي وجاد للانقطاع عن القوانين وقواعد اللغة التقليدية، والتحرر من الإسلوب البدائي عند التعامل مع التراث، بل إن هذا الهدم أخذ بنظر الاعتبار تفكيك المفردة القديمة بكيانها المعهود، وكانت الإرادة واضحة لدى المحدثين في إعادة البناء على أرضية جديدة مستندين في هذا إلى وسيطهم الجديد مع المجتمع، ابتداءً بالصفاء الشعري ووصولا إلى السمو، للوصول لكونيتهم الخالية من الخلط والإعادة ضمن مشكلات لا حصر لها إزاء بدايات أولية لليقظة العربية وشيوع الأيديولوجيات وتقليص المسافات ما بين النظريات الأدبية وتأثير مخلفات الحرب العالمية الثانية على الصعيد الاجتماعي والاقتصادي، وكذلك مفهوم الحريات وحقوق الإنسان.
لقد هيأ كل ذلك للمحدثين الجدد مواجهة هذا الخليط من الإشكالات بمفاهيم نظرية، ولا بد فيما بعد من الانتقال من هذه المفاهيم إلى تبني النظريات المناسبة ضمن ما أفرزته تلك المشكلات، وكذلك التطورات التي يشهدها العالم على كافة الأصعدة، وبالأخص منها التحول الذي طرأ على كيان المجتمعات التي بدأت في التحاور الذاتي عن متطلبات حاجاتها الأساسية، وفي مقدمتها مسألة الحريات التي دخلت كأساس ضمن أزمة الثقافة العربية، مقابل الحاجة الروحية للانفتاح الإنساني والإفادة من المشتركات بدلا من التطلع من خلال المناطق الضيقة إلى محدودية الإبداع في الثقافة العربية، والخضوع لمسمى «قداسة»‌ المشروع التراثي، الذي استغل من قبل رواد القصيدة الكلاسيكية ضمن المفاهيم العامة والجاهزة نحو فهم التراث العربي وكيفية الإفادة منه.
إن تأسيس حركة الحداثة وتحديدا جماعة «مجلة شعر» تم على أساس تلك المشكلات التي ذكرناها، وبالتالي فإن هذه المواجهة الشمولية تعني في جانبها الأساس أن همها كان إبداعيا ضمن مفهوم الوصول للجمالية وتحرير الذات، ولا شك أن هذه الدعوة أتت بالحاجة التي يشعر بها الكثير من الشعراء العرب، ومؤشر هذه الحاجة أنها لاقت القبول والاستحسان والانتماء من الشعراء حين سارعت أقلامهم إلى الكتابة في المجلة. إن مؤسسي الحركة والمساندين لها قدموا تصورات جديدة عندما عرضوا إلى تحليل القصيدة القديمة وتحليل الأثر الذي تركته في عقلية المتلقي، وانعكس ذلك على استجابته النفسية والعاطفية، وبالتالي كانت المهمة شيئا من العسرة في تطويع الأذن القديمة وتعديل ألسنة النطق وجعل الأحاسيس برمتها تشترك في ذلك الأداء أمام لغة بمرور الزمن اكتسبت حصانة دينية وبيئة كبيرة حاضنة، بل رضا إلهيا كونها لغة القرآن المحفوظة صحائفه في السماء، فالسطو عليها أو محاولة العبث بها يرقى إلى منزلة الخروج على الأعراف الدينية والأخلاق العربية، وبالتالي فعده البعض بمصاف التنكيل بالحضارة العربية، وما أتت به من متغيرات في صالح العقلية العربية كمنهج وسلوك.
كانت الحساسية تجاه «اللغة» تلك هي واحدة من المعضلات لسبب سابق ذكرناه، والسبب الآخر هو بطء التطور أو بالأحرى الشللية التي أصابت الفكر العربي في توجهاته الخاصة لاختيار لحظته المناسبة لاستيعاب النتائج المترتبة لما وراء الحربين العالميتين، بعد أن قُسمَ الوطن العربي ونمت الإقطاعية وتغلغل الاستعمار في مفاصل متعددة من أجزاء الجسد العربي، ورغم ذلك لم يحفل القاموس العربي بشيء جديد بإضافة نوعية رغم أن اللغة تتطور تطورا طبيعيا ضمن سياقاتها، بسبب رسوخ الماضي التقليدي في العقل وفي المخيلة. إن النقد والرفض وإعادة الخلق من الصفات التي لازمت سعي المحدثين للوصول إلى السرية الساحرة، وموازنة الحفاظ على ما في اللغة من عذوبة، والتي تكمن في تحسس أعماق المجتمع وليس الاقتراب من مناطق متحسساتها والانتهاك يعني عند المحدثين امتلاك إرادة التغيير من خلال الإحساس بوعي المعاناة، لذلك فإن ما يسعى لتقديمه من عمل إبداعي لا يرتبط بهيكلية الزمكانية الآنية، بل تصوره بأن الذي سيأتي هو نفسه الذي هو الآن، فعليه أن يكون الصوت والكلمة بمستوى الإحساس بالغد وليس التعبير عن الواقع المقيت وحسب.
هذا التصور الذي ذكرناه عن اللغة جعل العديد من شعراء الحداثة يقفون بالضد نحو قواعد النحو ونحو فقه اللغة ودعوا لتصور جديد أو بالأحرى لاستعمال جديد للنظام الذي ارتكزت عليه قواعد اللغة العربية.
إن الانتقالية الكبيرة التي أحدثها المجددون في الشعر من مرحلة انحطاط مضمونه إلى انتقاله لروح العصر وإشباعه بمتحولات ذلك العصر يعني أن ذلك التغيير ليس تغييرا في كيان الشعر وحسب، بل مثلما دعا إليه يوسف الخال في بيانه تغييرا في النظام المغلق والتجربة والحياة والعقل.

٭ شاعر عراقي

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى
Translate