الحزبعن الحزب

حزب الحداثة و الديمقراطية لسورية …البيان التأسيسي

أيها السوريون

لقد أكدت الأحداث المتوالية في الساحة السورية بدءاً من شباط في هذا العام أن

العهد الجديد امتداد طبيعي و استمرار حثيث للنظام السابق إبان حكم الدكتاتور الراحل حافظ الأسد* ***لقد أعلن ” العهد الجديد” عن رفضه لأي سلوك سياسي يخرج عن ضبطه و خطه السياسي ، معتبراً أن المنتديات الثقافية و السياسية و المساحة الضئيلة التي أتيحت مؤخراً لحرية الكلمة باتت معيقات “تهدد سيادة الدولة ووحدة الوطن” .

ولأننا أدركنا أن السلطة في العهد الماضي أقالت السوريين سياسياً ، أفراداً و أحزاب و مؤسسات مجتمع مدني ، و روعتهم و أفقرتهم ونهبتهم دون رقيب أو محاسب . و أن القوى الجديدة في العهد الجديد ليست إلا امتدادات للقوى القديمة في العهد السابق ، أو هي من رحمها تجرعت نهبها و أفادت من قمعها و تسلطها ، بحيث سهل لها ذلك الوصول إلى مواقعها الحالية ،و هي غير ذات مصلحة حقيقية بالتغيير و لا تملك الإرادة لذلك ، فإننا نعتقد أن كل ما يميز العهد الجديد هو غياب الرمز المرعب للديكتاتور الراحل (و الذي تشكل بدءاً من أحداث1979-1982م في سورية)، ذلك الغياب الذي أحدث هوة كبيرة في الجو الدلالي السياسي السوري وأفرغ جزءاً كبيراً من شحنة الخوف و الرعب التي طالما سكنت السوريين .

لكن وجود الحاجة و الرغبة الحقيقية لدى السوريين في التغيير في ظل هذا الجو الدلالي الجديد هو الذي جعل من بداية الحركية السورية أمرا واقعا ، و لذلك فقد عقد جمع من السوريين مؤتمراً في الثالث و العشرين من شهر آذار من عام 2001 ، أرادوا فيه تنظيم أنفسهم ، وتأسيس حزب سياسي يعبرون من خلاله عن و موضوعاتهم و ثوابتهم و منهج عملهم، فولد حزب الحداثة و الديمقراطية لسورية ، ليأخذ على عاتقه المشاركة في تغيير الواقع السوري السياسي و الثقافي و الاقتصادي المزري، و ليشارك في صنع الغد و المستقبل الآمن و المزدهر و العصري لوطن السوريين، الغارق في الأزمات و الكوارث الحاصلة في حاضره ، و الكامنة في بنيته المتناحرة الهشة ، و تناقضاته الكثيفة . و جاء انعقاد هذا المؤتمر الذي تم خلاله إقرار الملف الحزبي المتضمن لموضوعات الحزب ، وحلوله ومنهجه و آلية عمله وقانونه الداخلي ، تتويجاً لتحضيرات طويلة استمرت عدة أشهر .وفي جلسته الختامية، انتخب المؤتمر رئيس مجلس الإدارة السياسي للحزب( ليقوده و يمثله و يتحدث باسمه )، وهيئاته القيادية المختلفة وفق ما يحدده قانونه الداخلي .

و أكد المؤتمرون على ضرورة إصدار جريدة توصل صوت الحزب إلى السوريين و تعبر عنه ، كما ركز المؤتمر على الاعتبارات السياسية و الثقافية التي تجعل من العمل السري للحزب حاجة موضوعية في هذه المرحلة ، و صدر عن المؤتمر بيانه الختامي في نيسان- 2001 ، فيما يلي نصه :

 

البيان الختامي للمؤتمر التأسيسي لحزب الحداثة و الديمقراطية لسورية

 يقف السوريون أمام قدرهم و فرائض حياتهم كأنما هم في دائرة لا بداية أو نهاية لها ، فلا اتجاههم معروف و لا موضعهم محدد ، و كأنما تمشي البلاد بقوة العطالة و بآخر أنفاس البقاء . كذا هي سورية بعد أكثر من نصف قرن على استقلالها ، و قد حلت سكينة مريبة على البلاد و الشعب و كأن ما يحدث في البلاد هو شأن الآخرين ، هذا بعدما دفعت حركية الشعب السوري قوى احتلال و استعمار متتالية هي الأشد عنفا على مدى التاريخ .إن السوريين مأزومون، كل شيء فيهم يعاني أزمة ، أزمة عقل ، أزمة قيم ، أزمة ثقافة ، أزمة اقتصاد،أزمة حرية و ديمقراطية ، إنهم مخدوعون ، لأن فيهم من توهم الأمان و الرخاء رغم المخاطر التي حاقت به و تحدق به دوماً .

لقد غلف النظام الحاكم في سورية الوعي السياسي للسوريين باليات ضبط ذاتي قمعية عبر تسويقه لمقولات سياسية و تعميمها إعلامياً و تربوياً ، فأصبحت مسألة نفسية ملتصقة بذات السوريين دون أي مسافة نقدية ، و كذا فللسوريين حسب الترويج قائد يفكر عنهم و ينجز لهم ، و يدافع عنهم و ما عليهم سوى التسليم و النوم .. إنه التأسيس لكنسية جديدة و معصومية جديدة ..

إن” الثورة” التي جاءت بنظام الحكم في البلاد ، لم تقطع نهائياً مع الماضي الذي تصدت لتغييره ، ولم تتعاطى مع مكوناته و امتداداته الحاضرة ، بنزاهة و فعالية و مسؤولية ، في ظل ذيوع الهاجس السلطوي و الفئوي و تغليبه على أمن و مصلحة البلاد..

 إن توليد الانتماء المدني ، و الوعي الحداثي المعلمن و الديمقراطي ، و النظام المعرفي الجديد الذي يحكم العقل السوري و يوجهه ، كانت الأولويات التي تجاهلها نظام الحكم ، و عمل ضدها ، و إذ به يؤسس للأصولية السياسية و التطرف الديني في البلاد ، إن العقل الطائفي لا يزال في سورية يحتل الشارع أو القسم الأكبر منه .

و بعد إخفاق النظام في تأمين المحافظة على اللحمة الاجتماعية الحقيقية للشعب السوري بصوغ هويته و تجذير مدنيته و انسجامه كضرورة لانبثاقه مجتمعاً عصرياً ، و بعد ارتكاسه في مواجهة المهام المتمثلة بتحقيق البناء الوطني و تحقيق التقدم الاقتصادي و تحرير المرأة و إرساء نظام تربوي يؤسس لمفاهيم الحرية و الديمقراطية و تأمين التعليم التحريري، بعد فشله في خلق العناصر التي تساهم في بناء مشروعية له ، سعى النظام إلى تعميم و ترسيخ شكلا موروثاً و تقليدياً من التراث الإسلامي ، لاستغلاله في إضفاء الشرعية عليه ، و فرض أيديولوجيا ترقيعية متخبطة غير متوازنة لم تعر الخصوصية السورية بتركيباتها الدينية و الثقافية و الإثنية و السياسية أي اهتمام ، و هي لذلك لم تجد أطراً سورية ثقافية اجتماعية حقيقية تتبناها .

لقد أسس النظام الحاكم بقسره السوريين على توجه اختزالي شعبوي و صيغة دوغمائية ساهمت بالإضافة إلى العوامل السابقة في تأسيس حالة انتهازية تستغلها نخب و فئات من أجل تسلق أجهزة التسلط و البيروقراطية .لقد هيمن البعد الواحد على الحال السوري ، وافرز معايير وهمية أخذت تقدم نفسها على أنها أساس انسجام السوريين ، و ما الشعارات الخاصة بالصراع مع إسرائيل ، و نجاح السياسة الخارجية السورية ، التي يرددها النظام ، إلا محاولة لتغطية التردي التاريخي الذاتي للسوريين و لإخفاء فشله الشامل في كل الميادين .

أن النظام الذي حكم البلاد بفاعلية ضعيفة ، فشل في بناء الدولة الحديثة التي تشكل الملاذ لمواطنيها ، فانتشر الفقر و البؤس وانحسر الأمل بالعدالة الاجتماعية وتجذر الفساد و تأسس القمع ، فأصبح السوريون أشخاصاً هامشيين مهزومين عاطلين عن العمل ، محبطين و مستلبين ، إن الوعود بالعدالة و الكرامة و التحرير و الحرية ، التي أطلقها حزب البعث الحاكم تبخرت0 في ظل الفساد و الترهل و العجز و المراوحة و السكون .

لقد فاقم نظام الحكم في سورية آثار الاستعمار السلبية و شكل ديمومة ً تاريخيةً لظاهرة التهميش و الاستبداد ، و تراكم القسر و الترويع و اللامساواة الذي يعود إلى قرون طويلة ، فهزم السوريون في معركة وجودهم الحديث و في سعيهم لتأكيد ذاتهم ، أنهم يعانون ضياعا معنويا و شروخاً بنيوية تعمق هزيمتهم الداخلية و تقوي نزعات التدمير الذاتي و الحرب الأهلية .

إننا و انطلاقاً من إيمان السوريين بأنه لم يعد ممكناً لأي تيار سياسي و لو كان في السلطة أن يدعي امتلاكه الحقيقة السياسية الكلية النهائية و الأخيرة ، فإننا لن نسمح بأن يفرض تياراً سياسياً رؤيته السياسية و منظومته الفكرية باسم الحقيقة التي يدعي امتلاكها . إننا إذ نؤمن بأن النضال من أجل الديمقراطية و الحداثة ليس سهلاً أو مجانياً و لا يشكل مجالاً يتاح ، أو لا يتاح ، من قبل جهة سلطوية أو غير سلطوية ، و أن الفكر الديمقراطي لا يمكن أن يشهد إشعاعاً حقيقياً في المجال الثقافي و الحياة السورية إلا إذا كان مدعوماً من قبل تيار سياسي ديمقراطي ، و تعبيراً عن حاجة السوريين إلى هوية مدنية تؤطر وجودهم و تخلع عليه عنواناً، و تكون لهم حاضنا ًيحميهم في مسيرة تقدمهم ، انبثق حزب الحداثة و الديمقراطية لسورية ( كبعض من قوى المناعة و الحركية السورية )، من عمق الحياة السورية لكي يدشن الاتجاه التحديثي الجذري و الحقيقي في سورية ، و ليمثل بداية أولية حقيقية لتحرير الوجود السوري .

إن حزب الحداثة و الديمقراطية أدرك إن الأزمة السورية بنيوية و هيكلية في الوجود السوري و ليست عرضية عابرة و لذلك فإن الحزب ينظر إلى العوامل الاجتماعية و الاقتصادية و السياسية بروح حداثية تسعى إلى توليد وعي جديد يتمايز فيه الديني عن السياسي ، سياسياً و مجتمعياً ، إن الحزب يعتبر أن النظام المعرفي الجديد الذي يبشر به هو وحده الذي يضمن ولادة المجتمع السوري المحرر و العقلاني و الحديث .

إن الصراع بين القديم و الجديد ، بين الحداثيين العلمانيين والديمقراطيين و بين التقليديين السكونيين هو الذي سيحسم المعركة التاريخية للمصير السوري ، و هو الذي سيبدد الانتماءات التناحرية و يولد الانتماء الجديد للعصر الحديث و للوطن السوري الحديث .و لذلك فإن حزب الحداثة و الديمقراطية لسورية يندد و يتعارض مع كل الجهات المراوحة و السكونية ، و يدعو إلى مواجهة تحريرية ذاتية تقدم الصورة الحقيقية لسورية بواقعها المأزوم بدلاً من الصورة النقية المتخيلة ، إن الانهيارات العميقة و الاختلالات العنيفة التي يمكن أن تحدثها هذه المكاشفة الخطرة لن تثني الحزب على التمسك بمواقفه السياسية و الفكرية النقدية التاريخية ، إن الحزب لن يهادن فيما يخص المواجهة الذاتية بمستوياتها كافة كما لن يهادن في أية أولوية تطرح نفسها في معركة التحرير السوري الحقيقي ، و الحزب متأكد أن حسم المعركة سيحرر الوجود السوري الذي يحتضن التقدم الضروري على الصعد كافة .

إن حزب الحداثة و الديمقراطية لسورية هو استجابة للتحديات المركبة و المتوالدة ، و هو تدخل واع و حضاري من أجل صياغة جديدة لسورية ، و هو إذ يعبر عن تطلعه للديمقراطية و صيانة حقوق الإنسان و فسح الأفق للسوريين على تعدد انتماءاتهم ( الثقافية ، الاثنية ، الدينية ) لصناعة حياتهم و إقرار سياسة البلاد ، يعتبر أن التعددية سمة تاريخية متأصلة للسوريين و أن الهوية السورية هي صوغ و تكون يعكس غنى التفاعل البيني و الحياة المشتركة ، إن الاعتراف بالتعددية  ضرورة مجتمعية سورية ، و إن الانتماء الأولي و الحقيقي للوطن سورية .

إن الحزب إذ يسعى لإنجاز سورية الحديثة سلمياً يعتبر أن المواثيق الدولية بشأن حقوق الإنسان ، حاجة محلية سورية ملحة ، و هو يهيب بكل المنظمات السياسية و الحركات أن تتحلى بالشعور العالي بالمسؤولية أمام الوطن و الشعب ، فيتلاقى الجميع في سورية الحديثة العلمانية و الديمقراطية .

إن حزب الحداثة و الديمقراطية لسورية يعتبر أن ضرورات إنماء مؤسسات المجتمع المدني و إرساء الحريات الديمقراطية و الحزبية و السياسية ، و احترام سيادة القانون و التهيئة لدستور جديد و قوانين تنسجم و مبادئ الديمقراطية ، و العمل من أجل الضبط المدني للقوات المسلحة و الجيش لتكون درعاً للوطن و ليس للنظام ، واتخاذ سياسات تربوية و تعليمية تجذر الوعي الحداثي و الديمقراطية ، إن كل هذه الأولويات تشكل ضمانة حقيقية لمستقبل السوريين و أساساً لانسجامهم و تصالحهم مع ذاتهم .

إن عملية بناء الحداثة السورية التي يبشر بها الحزب معقدة تفكك العقل القديم الموروث و تحلل نظامه المعرفي و دلالاته و رموزه و تناحراته و تضاداته المرافقة و تعيد تركيب العقل الحداثي بمسلمات ضمنية جديدة توجهه هي من إنتاج العقل الحداثي ذاته .و الحزب إذ يسعى سلمياً إلى التبشير بالحداثة السورية و إطلاقها و الديمقراطية السورية و تجذيرها .يعتبر أن ما جرى في سورية ليس تداولاً سلمياً شرعياً للسلطة ، و إنما تكريساً لعملية التوريث السياسي بما يهدد قيم الجمهورية ، و يؤسس لحالة شاذة جديدة في المنطقة، وما الإشارات و الإيحاءات الإيجابية التي رافقت تلك العملية في مراحلها المبكرة و المتأخرة إلا محاولة لامتطاء شرعية الوعود و توظيفها مؤقتاً كعامل لترسيخ الوجوه الجديدة على قاعدة السلطة القديمة.

أيها السوريون لقد جهدنا بمساع و نقاشات و أبحاث واسعة أدركت سوء الأحوال الاقتصادية و الاجتماعية و السياسية وبنيويتها ، و حللت هزيمة السوريين الذاتية ، ووصفت طبيعة السلطة الحاكمة ( الجديدة – القديمة ) و لا شرعيتها و عجزها عن تجديد نفسها دستورياً . و في إطار عملية البحث الجاد و المسؤول عن العلاج الثقافي و الاجتماعي و السياسي ، اهتدينا بحس السوريين و بآفاق حداثية إلى تأسيس حزب الحداثة و الديمقراطية لسورية ، حزباً سياسياً و حركة فكرية تحديثية منفتحة تناضل سلمياً لتبث في الحياة السورية حس النقد التاريخي و المواجهة الذاتية ، و تسعى لتوليد وعي و عقل حداثي و نظام معرفي جديد يفرز تخلقاً جديداً للشخص البشري في سورية وولاء للوطن السوري و إيماناً بقيم التعددية و العلمانية و الديمقراطية و احترام حقوق الإنسان .

معاً من أجل سورية حديثة و ديمقراطية

لجنة الإدارة العامة لحزب الحداثة و الديمقراطية لسورية

في الثالث من نيسان 2001 م

         

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى
Translate